ابن حمدون

405

التذكرة الحمدونية

عليّ من وفود الأمم ، فوجدت الروم لها حظ في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها ، وأنّ لها دينا يبين حلالها وحرامها ، ويردّ سفيهها ويقوّم جاهلها ؛ ورأيت الهند لها نحو من ذلك في حكمتها وطبها ، مع كثرة أنهار بلادها وأثمارها ، وعجيب صناعتها ، وطيب أشجارها ، ودقيق حسابها مع كثرة عددها ؛ وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصنعة الحديد ، وإنّ لها ملكا يجمعها ؛ والترك والخزر على ما بهم من سوء الحالة والمعاش وقلة الريف والثمار ، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس ، لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم ؛ ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة ولا عقل ولا حكمة ، مما يدل على مهانتها وذلَّها وصغر همّتها ، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطيور الطائرة الحائرة ، يقتلون أولادهم من الفاقة ، ويقتل بعضهم بعضا من الحاجة ، وقد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ولهوها ولذتها ، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها . هذا خبر تشهد معانيه أنه مصنوع ، فإنّ ألفاظه مولدة ، ورجال العرب والذين نسب إليهم الحكاية [ 1 ] متباعدة أعصارهم ، لكنه يتضمن محاسن العرب والاحتجاج على من ينتقصهم ويقدح فيهم ، وفي هذه الفائدة كفاية لأجلها نقلته إلى هاهنا . وإن قرى أحدهم ضيفا عدّها مكرمة ، وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة ، تنطق بذلك أشعارهم ، وتفتخر بذلك رجالهم ، ما خلا هذه التنوخية الذي استنّ جدي اجتماعها وشيّد مملكتها ومنعها من عدوّها ، فحريّ لها ذلك إلى يومنا هذا ، وإنّ لها مع ذلك آثارا ولبوسا وقرارا وحصونا ، نسبه بعض أمور الناس - يعني أهل